السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

441

مفاتيح الأصول

على التجوز أقوى منه في الدلالة على الحقيقة ترجيح الأوّل للزوم العمل بأقوى الأمارتين عند التعارض ومنها أن المتبادر من إطلاق لفظ الكذب معنى لا يندرج تحته شيء من الأمور المخالفة للظاهر من التجوز ونحوه فلا يكون من أفراد الكذب الحقيقية لأن عدم التبادر أو تبادر الغير من أدلة المجاز ومنها أنه لا يصحّ تقسيم لفظ الكذب إلى المعنيين اللَّذين أحدهما ارتكاب خلاف الظاهر فلا يقال الكذب على قسمين أحدهما مخالفة الظاهر وذلك دليل على أنها ليست من أفراد الكذب الحقيقية ومنها أنه لا يصحّ الاستفهام عن ارتكاب خلاف الظاهر إذا أطلق فلا يقال إذا قيل فلان كذب هل ارتكب خلاف الظاهر وهو من أدلة المجاز ومنها أنه يصدق على المتجوّز ونحوه في نحو ما إذا قال رأيت أسدا في الحمام وكان رؤيته للرجل الشجاع في الحمام مطابقا للواقع أنه صادق صدقا حقيقيا من غير إشكال ولو كان ارتكاب خلاف الظاهر كذبا للزم اجتماع الصّدق والكذب في شيء واحد وهو محال لأن الصّدق والكذب من الأمور المتضادة كالسّواد والبياض لا من الأمور المتخالفة كالسّواد والحلاوة ومنها أن جميع العقلاء يستقبحون الكذب ويستنكرونه ويتجنّبون منه ويلومون فاعله ولو كان المجاز كذبا لكان كذلك وهو باطل بالضرورة لاتفاق جميعهم على ارتكابه والإتيان به نظما ونثرا من غير نكير كما لا يخفى ومنها أن القرآن قد تضمن ذم الكذب والكاذب ولعن جميع الكاذبين ومع ذلك قد اشتمل على مجازات كثيرة فلو كان المجاز كذبا لجاز للكفار الاعتراض عليه بما يقدح في كونه معجزة وبطلان التالي في غاية الوضوح وبالجملة الأدلة والشواهد على أن المجاز ليس من الكذب في شيء كثير وإن شارك الكذب في القبح حيث يخلو عن القرينة والعلامة ومن الظاهر أن المجازات القرآنية ليس من هذا القبيل وعدم علمنا بالقرينة لا يستلزم عدمها حين صدور الخطاب مع المخاطب ونحن لسنا من المخاطبين بالخطابات القرآنية لأن أصل المخاطبة والتكلم يختص بمن يوجه إليه الكلام لا كل أحد وإن تعلق به حكم ذلك الخطاب وقلنا بأن الخطاب في نحو افعل يعم الغائب فإذن لا يجب نصب القرينة بالنسبة إلينا بالنسبة إلى المخاطب فتأمل وثانيها ما احتج به في المبادي وحكاه في النهاية عن الأشاعرة والغزالي من أن الرسول صلى الله عليه وآله أخبر بامتناع الكذب عليه تعالى فيكون خبره صدقا قال في النهاية اعترض عليه بأن العلم بصدق الرّسول صلى الله عليه وآله موقوف على دلالة المعجزة قائم مقام التّصديق بالقول فصدق الرّسول مستفاد من تصديق اللَّه تعالى إياه وذلك إنما يدل لو ثبت أنه تعالى صادق إذ مع تجويز الكذب عليه لا يلزم من تصديق النبي كونه صادقا فالعلم بصدق الرسول صلى الله عليه وآله موقوف علم العلم بصدقه تعالى فلو استفيد منه دار لا يقال نمنع توقف دلالة تصديقه تعالى للرسول على كونه صادقا لأن قوله أنت رسولي إنشاء وهو يدلّ على الرسالة فلا دور لأنا نقول تأثير الإنشاء في الأحكام الوضعية لا الأمور الحقيقية فلا يلزم من قوله أنت رسولي صدق الرّسول في كلّ أقواله لأن صدق الرجل أمر حقيقي فلا يختلف باختلاف الجعل الشرعي فإذن لا طريق إلى معرفة صدق الرسول فيما يخبر عنه تعالى الأمر قبل كونه صادقا فيدور وفيه نظر لأن الصدق وإن كان من الصّفات الحقيقية لكنه يتوقف على الإنشاء الذي لا يدخله الصدق فلا دور انتهى وفي شرح المبادي لفخر الإسلام ولا دور هنا لأن صدق الرّسول صلى الله عليه وآله يتوقف على معجزته لا على خبره تعالى وثالثها ما حكاه في النهاية عن الأشاعرة فقال احتجت الأشاعرة بأن كلامه تعالى قائم بذاته ويستحيل الكذب في كلام النّفس على من يستحيل الجهل عليه إذ الخبر يقوم بالنفس على وقف العلم والجهل عليه محال وهو دليل الغزالي ثم قال اعترض عليه بأن بحث أصول الفقه لا يتعلَّق بالكلام النفساني بالمسموع المركب من الحروف والأصوات المقطعة ولا يلزم من كون النفساني كون المسموع صدقا سلَّمنا لكن لم قلت إن النفساني صدق ولا يلزم من انتفاء الجهل استحالة أن يخبر بالكلام النفساني خبرا كاذبا فإنها برهانية لا ضرورية فأين البرهانية ورابعها ما حكاه في النهاية عن الأشاعرة فقال احتجت الأشاعرة بأن الصّادق أكمل من الكاذب بالضرورة فلو كان كاذبا لكان الواحد منّا حال صدقه أكمل منه تعالى وهو معلوم البطلان ثم قال اعترض عليه بأن هذا إنما يتم على تقدير القول بالحسن والقبح العقليين وهم ينكرونه وبالجملة فهذا البحث إنما يتمشى على قواعد المعتزلة أما على قول الأشاعرة فلا وخامسها ما حكاه في النهاية عن الأشاعرة فقال احتجت الأشاعرة بأنه لو كان كاذبا لكان إما يكذب قديم فيستحيل عليه الصدق لكان يعلم أن من قدر على أن العالم ليس بحادث أمكنه أن يخبر بأن العالم حادث لا يستلزم القدرة على المركب القدرة على المفردات وإما أن يكذب حادث فيكون محلَّا للحوادث ثم قال اعترض عليه بإمكان استحالة الصدق فيما أخبر به كذبا وإن أمكن صدقه في غيره والقدرة إنما يتوجه على الحادث أما الكلام النفساني القديم عندهم فلا انتهى مفتاح عدّ من الأخبار المعلومة خبر الرسول صلى الله عليه وآله وقد صرّح بأنّه منها في الذريعة والعدة والغنية والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه لفخر الإسلام والبداية وشرحها وغيرها بل في النهاية اتفق الناس على صدق الرّسول صلى الله عليه وآله في إخباره الذي دل المعجز على صدقه فيه وأما ما عداه فاختلفوا فيه فمذهب الإمامية وجوب صدقه في كلّ شيء لأن العصمة شرط وقال آخرون لا يجب وقد تقدم البحث في العصمة انتهى والمعتمد هو ما حكاه عن الإمامية ولهم ما ذكر في جملة من الكتب ففي الذريعة ويلحق بخبر الله تعالى خبر الرّسول صلى الله عليه وآله أيضا لأنا قد علمنا بالمعجز صدقه في إخباره صلى الله عليه وآله وأن شيئا من القبائح لا يجوز عليه وكل ذلك معلوم بالدّليل وفي العدة قال السيّد في الذخيرة وأما خبر الرسول صلى الله عليه وآله فإنه يعلم صدقه لأن العلم المعجز قد دلّ على أنه رسول ولا يجوز أن يرسل اللَّه تعالى من يكذب فيما يؤديه عنه وقد أمر بتصديقه في كل إخباره فيجب أن يكون صدقا لأن تصديق الكذاب قبيح واللَّه تعالى منزه عن ذلك فعلم عند ذلك أن إخباره صدق وفي المبادي وشرحه لفخر الإسلام خبر النّبي صلى الله عليه وآله